الشيخ محمد رشيد رضا
189
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إِلَّا تَخْرُصُونَ ) وقد قال قبل هذه الآية ( 6 : 107 وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا ) وهو يشبه قوله لهذه الطائفة التي ظنت مثل ظنهم « إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ » فالظاهر أن الذي أثبته في الموضعين هو مثل الذي أنكره عليهم وسماه ظتا لا يوثق به في هذا المقام الذي لا يقبل فيه إلا العلم اليقين . وقال في سورة يس ( 36 : 47 وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ؟ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) فقد جعل تبرؤ الناس من الكسب والعمل واعتذارهم بمشيئة اللّه وتفويض الأمر اليه من شأن المشركين والكفار الذين يتخبطون في دياجى الظن ويهيمون في أودية الضلال مع اثباته لكون الامر كله للّه وحصول كل شئ بمشيئته . وقد نظر في كل طرف من الطرفين من رآه يوافق مذهبه حتى جعل الفخر الرازي الآية التي نحن بصدد تفسيرها هي عين ما عليه الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في مسألة أفعال العباد وجعل الحجة فيها للأشاعرة وتحرير الكلام في هذه المسألة أنه تعالى بين لنا في كتابه ثلاث حقائق وبين لنا صلال الذين ضلوا فيها واحتجوا بواحدة على بطلان الأخرى الحقيقة الأولى ) أنه تعالى هو خالق كل شئ الذي بيده ملكوت كل شئ وبمشيئته يجرى كل شئ ، فلا قاهر له على شئ وهو القاهر فوق كل شئ الحقيقة الثانية ) ان خلقه وتدبيره انما يجرى بحسب مشيئته وحكمته على سنن مطردة ومقادير معلومة ، كما أشرنا إلى ذلك في تفسير « 137 قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ » وفي تفسير كثير من الآيات التي تذكر فيها المشيئة أو السنن الإلهية « * » الحقيقة الثالثة ) ان في جملة سننه في خلقه وقدره في تدبير عباده أن الانسان خلق ذا علم ومشيئة وإرادة وقدرة فيعمل بقدرته وارادته ما يرى بحسب ما وصل اليه علمه وشعوره أنه خير له . والآيات الناطقة بأن الانسان يعمل وبعمله تناط سعادته وشقاوته في الدنيا والآخرة كثيرة جدا . وهو ليس في ذلك معارضا لمشيئة اللّه ولا مزيلا لها ، بل مشيئته تابعة لمشيئة اللّه ومظهر من مظاهرها كما قال ( 76 : 3 81 : 29 وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ) وقد جرت سنته بأن يشاء لنا أن نعمل عندما يترجح في
--> ( * ) راجع ص 471 و 485 من ج 2 وص 8 و 71 ج 3 من التفسير